منبر كل الاحرار

«مجزرة» الأمراء: العرش بلا منازع

الجنوب اليوم | صحافة

 

في سابقة لم تعرفها أسرة آل سعود، زجّ في السجن بكبار الأمراء في البلاد، على رأسهم أبرز الأحياء من أنجال المؤسس عبد العزيز، الأمير أحمد، شقيق الملك سلمان، بتهمة «الخيانة» عبر السعي للانقلاب. الاتهام شمل ثلاثة من أمراء آل نايف أشهرهم ولي العهد المطاح به، محمد بن نايف، وأعاد للواجهة ملف صراع الأجنحة وألغازه. وبينما لم يخرج ما ينفي روايات الإعلام الأميركي أو يشكّك فيها، سعودياً، عزّزت حيثيات الحملة أن يكون الاتهام ذريعة آل سلمان لترويض «هيئة البيعة» وقمع أي تململ أو طموح محتمل لدى أجنحة العائلة.
لنعرف حجم الخوف الضارب قصور آل سعود، يكفي تتبّع سيل تغريدات في الساعات الأخيرة، تؤكد الولاء وتجديد البيعة للملك ولولي عهده، نشرتها حسابات أمراء كانوا حتى الأمس القريب نزلاء «الريتز كارلتون» حيث اعتقلوا وأهينوا وجرّدوا من إمبراطورياتهم المالية والإعلامية. هؤلاء المغرّدون، كـ«أمير الكولا» مثالاً (عبد العزيز بن فهد، أو الأمير عزّوز، أغنى رجال الكوكب، يملك قصوراً فريدة المواصفات ربما لا يتعرّف إلى بعضها من كثرتها، جرّد في الريتز من كنوز أهمها مجموعة «أم بي سي»)، يتحسّسون رؤوسهم هذه الأيام، وهم على حق، فهم ليسوا سوى فلول «شبه الناجين» من حملة آل سلمان المتواصلة على أمراء العائلة المالكة.
منذ عام 2015، بضجة إعلامية أو بغيرها، تختفي أسماء، يُختطف آخرون، وتحوم شكوك بشأن حيوات البعض أو وضعهم قيد الإقامة الجبرية. إلا أن الفصل الجديد من فصول التنكيل بأبناء العمومة، بدا متمايزاً في بعض ملابساته عن أشهرها الذي شهدته 2017: «الريتز كارلتون» حيث امتدت الحملة لتشمل رئيس الوزراء اللبناني حينها سعد الحريري.
لا «حسن ضيافة»، هذه المرّة، كالذي حظي به الأمراء نزلاء الفندق ذي النجوم الكثيرة، ولا كلام عن فساد وأموال. قُدّمت الرواية على أن الواقعة عبارة عن انقضاض على زمرة «خونة» من الأمراء، ويعني ذلك إحباط عملية انقلاب كانت قيد التحضير خلف أسوار القصور دبّرها تحالف الأميرين: محمد بن نايف، وعمّه أحمد بن عبد العزيز، ومتورّطون آخرون بين أمراء وضباط.
رواية الإعلام الأميركي، جرى نشرها بتسريب منظّم، موزّع على أكثر من وسيلة معروفة، وهي لا تزال صامدة بلا نفي رسمي أو حتى تشكيك من دوائر النظام. بل تابع المسرّبون نشر تفاصيل تُحدّث أخبار حملة الاعتقالات بأنباء عن توقيفات جديدة.
أحمد بن عبد العزيز
يُعرف عن أحمد بن عبد العزيز (77 عاماً)، سابع «السديريين السبعة»، الاتزان والهدوء وضعف الشخصية. كما يشتهر آخر من بقي حيّاً من أشقاء الملك سلمان، بحظوته بمحبة وثقة طيف كبير من الأمراء، ولا سيما من يضيق بينهم ذرعاً ويتململ من تصعيد محمد بن سلمان. أما أهم ما يدور حوله فهو ترداد اسمه كل مرة يطرق فيها الإعلام الغربي باب أزمة حكم ابن سلمان وسيناريوات استبداله. ذروة القضية كانت إبان فضيحة قتل الصحافي جمال خاشقجي. عودة الأمير أحمد إلى البلاد، يومها، قادماً من المملكة المتحدة، أثارت بلا شك حفيظة ابن سلمان الواقع تحت الضغط الدبلوماسي والإعلامي، وخصوصاً حين تقرن العودة بتلميحات عن إمكانية استبداله به في ولاية العهد، بمباركة غربية. تظهير وحدة العائلة وترابطها بوجه الهجمة المستجدة كان ثمن عودة الرجل في الفترة العصيبة، ودافع تحوّط آل سلمان وانحناءهم مع العاصفة.
ما سيزيد الأمر خطورة هو التكهّنات بشأن قدرة الأمير أحمد على لعب دور مستقبلاً داخل «هيئة البيعة»، وهو الذي قيل إنه ثالث ثلاثة (من أصل 34) لم يصوّتوا على اختيار ابن سلمان لولاية العهد، واشتهر بمقطع مصوّر يدعو فيه معترضين على حرب اليمن للوم الملك وولي العهد بدلاً من آل سعود. وتلك الهيئة، المكوّنة من أبناء الملك المؤسس عبد العزيز وأمراء آخرين، والمحاط عملها بالغموض (لا أحد يعلم من رأسها في آخر اجتماع أو من يرأسها الآن)، يوكل إليها وفق نظام الحكم أمور أهمّها: فحص أهلية الملك صحياً، والتصويت على اختيار ولي عهد للملك. ووفق آخر تعديل لنظام الحكم لن يتمكن ابن سلمان من الحصول على ولي لعهده من بين أولاده وأشقائه، إنما حفيد للمؤسس عبد العزيز من فرع آخر، أي من أبناء العمومة. وقد مُرّرت هذه الصيغة آنذاك لتهدئة التململ والمضي في «الانقلاب السلماني» بالتدرّج وإغراء باقي الفروع بإمكانية وصولهم إلى العرش (وإلا لكان تم اختيار ولي لولي العهد من فرع آخر ولم يترك المنصب شاغراً).
محمد بن نايف
يتميّز الأمير السديري، المطرود من جنة ولاية العهد، بولاء ضباط في الداخلية وعلاقات وطيدة بالدوائر الأمنية الغربية، التي تعرّفت إليه وبنت ثقتها به إبان التعاون على الحرب ضد تنظيم «القاعدة» طيلة سنوات العقد اللاحق بهجمات 11 أيلول. يقال إنه، وبعد إقصائه من الولاية العهد ومن ثم عودة الأمير أحمد إلى البلاد، بدأ يتقرّب من الأخير بما أثار الشك لدى قصر اليمامة، وخصوصاً أن الأمير وعمّه تجمعهما صفة الرضى الغربي عليهما، في وقت تسرّب فيه عدم الثقة بالأميركيين عند ابن سلمان، إثر تداعيات قضية خاشقجي. لكن هذه المعلومات تتعارض مع ندرة ظهور ابن نايف الإعلامي، والتي فسّرت على أن الرجل مقيّد الحركة، أي في الإقامة الجبرية أو تحت المراقبة المشددة.
أياً يكن، فإن شمول حملة الاعتقالات ابن نايف، يفسّرها شمولها أيضاً، وفق التسريبات، أخاه غير الشقيق الأمير نواف. ما يعني أن المهادنة مع الفرع السديري، والتي بدأت بتعيين الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف، وزيراً للداخلية، قد انتهت. وعليه، فعبد العزيز هذا بات منذ اليوم على قائمة المرشحين للعزل في مقبل الأيام، وكذلك إقصاء آل نايف عموماً أكثر فأكثر، وخصوصاً أن مصادر في الديوان الملكي أفادت «وول ستريت جورنال» بأن والد الوزير، أمير المنطقة الشرقية وأكبر أبناء الأمير نايف بن عبد العزيز، سعود بن نايف، تم استدعاؤه لاحقاً. كما جرى، بحسب المصادر، توقيف ضباط في الداخلية والدفاع.
الملك سلمان يحتضر؟
لتفسير ما كشفته التسريبات، هرع المحللون إلى تكهّن تدهور صحّة الملك، أو إخفاء وفاته في الساعات الأخيرة. والتفسير نابع من كون وفاة الملك سلمان ستفرض على خليفته استحقاقين: الأول، مرور المبايعة له بسلاسة. والثاني، فرض اسم ولي لعهده على «هيئة البيعة» التي تختار ولي العهد، ويحظى الأمير أحمد بنفوذ داخلها. والأرجح أن يكون من يرتضيه شقيقه خالد، وهو ما يمنعه نظام الحكم وفق التعديل الجديد. وبالتالي المطلوب البطش بمن يشكّل أدنى تهديد لمرحلة حكم الأحفاد، وإرهاب من بقي من الساكتين حتى يُعدّل نظام الحكم مرّة أخرى ويُحصر العرش عملياً بآل سلمان بما يحد من طموح باقي الأفرع.
لكن، سيناريو صحّة الملك يتهافت سريعاً إذا ما انتبهنا إلى قيام سلمان، الخميس الماضي، أي قبل ساعات فقط من التسريب، باستقبال وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب، في الرياض. بل وظهوره أمس وهو يقبل اعتماد سفيرَي أوكرانيا والأورغواي الشرقية. وكان أحد مصادر «رويترز» أكد أن الملك سلمان «يتمتّع بحالة عقلية ونفسية جيدة» وهو وافق على تنفيذ عملية الاعتقالات.
هل كان انقلاباً إذاً؟
المصادر الخمسة التي أكدت لوكالة «رويترز» تسريبات «وول ستريت جورنال» و«نيويورك تايمز» ولاحقاً إضافات «بلومبيرغ»، تناقضت في تفاصيل الرواية. ففي حين أشارت الصحيفتان الأميركيتان إلى اعتقال الأميرين من منزلهما من قبل عناصر ملثمين تابعين لحرس الديوان الملكي، نقلت «رويترز» عن المصادر أن الأميرين نواف ومحمد بن نايف، اعتقلا في مخيّم لهما في الصحراء، بينما اعتقل الأمير أحمد من منزله. الأهم في رواية «رويترز» إفادة أحد المصادر بأن سبب الاعتقالات هو أن ابن سلمان «اتهمهم بإجراء اتصالات مع قوى أجنبية، منها الأميركيون وغيرهم، لتنفيذ انقلاب». وزاد مصدر أن الأمراء «كانوا يناقشون تنفيذ انقلاب بدعم من قبائل نافذة لكن تلك النقاشات لم تصل إلى مرحلة متقدمة».
انحسار أزمة خاشقجي، يضاف إليها صعوبة إقدام الأمير أحمد على انقلاب كما يرجّح العارفون بشخصيّته المهادنة، مؤشران يرجّحان عدم صحة ذريعة الاعتقال، أي مخطط انقلاب، برغم فرضية قدرة ابن نايف على مساعدة الأمير أحمد بتسخير ما تبقّى من نفوذه في المؤسسة الأمنية. وعدم وجود مخطط انقلاب لا يدحض المعلومات حول تلفيق هذه التهمة التي يتعزّز تفسير أنها ذريعة، وهو ما أكّده أمس مصدران لـ«أسوشييتد برس»، نفيا نية الانقلاب لدى الأمير أحمد إنما فقط بدر منه امتعاض من قرار إغلاق الحرم المكي ضمن إجراءات منع انتشار «كورونا». يشير متابعون لشؤون الأسرة الحاكمة إلى أن السبب خلف اختلاق ذريعة الانقلاب ينصب على مسعى تحقيق هدفين:
– سد الثغرة التي فتحتها أزمة خاشقجي وانتزاع ولاء الأمراء ودعمهم وتسليمهم. كان آل سلمان قد استكملوا سيطرتهم على الحكم وتعبيد طريق ابن سلمان بفكفكة «فدرالية النفوذ» التقليدية مع اعتقالات «الريتز» وترسيخ نظام جديد يركّز أشكال القوة جميعها بيد ولي العهد. إلا أن تداعيات قتل خاشقجي أصابت مقتلاً من صورة ابن سلمان «أمير الانفتاح والتغيير والاعتدال»، فسمحت باهتزاز الوضع الجديد وببروز الأمير أحمد، وعمّمت صورة حليف متهور غير جدير ولا موثوق (ابن سلمان) عند الغرب الذي عاد بحادثة خاشقجي إلى فتح ملف «الريتز» إعلامياً، ما أعاد الشك إلى ولي العهد في ظل وجود دعوات لتدارس استبداله بدعم خارجي. إلا أن صمود الأخير، وموقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي ظل ثابتاً على دعم ابن سلمان، أسهما في النهاية في تلاشي الضغوط.
– الإعداد للجولة المنتظرة: «هيئة البيعة». على رغم من تعاظم القوة الداخلية التي بات عليها ابن سلمان، لا بدّ للأمير وراعيه والده الملك إزاحة أي تشويش محتمل يبثّه طموح الأمراء. يفضّل الأب والابن عدم تنحي الأول عن العرش للثاني، لما يمنحه وجود سلمان من غطاء ودعم، لكن يبقى سيناريو يصعب الجزم بعدم حصوله. وإذا كان التنازل وارداً (يتوقّع البعض أن ابن سلمان يريده قبل استضافة المملكة قمّة «العشرين»)، وبغية تأمين مسار الانتقال بسلاسة، فهو يتطلب ترويض «هيئة البيعة» لمبايعة الملك الثامن، أول ملك من خارج الأنجال. وهو ترويض مطلوب بأي حال، في حال التنازل أثناء حياة الملك أو بعد رحيله، للظفر بولي للعهد من البيت السلماني بعد تعديل النظام. واستهداف رجل كالأمير أحمد بتسجيل سابقة اعتقال أحد أنجال عبد العزيز واتهامه بالخيانة، يعني أن لا خيمة فوق رأس أحد.

 

(خليل كوثراني – الأخبار اللبنانية)

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com