منبر كل الاحرار

اعتقالات وإعدام بالهوية.. كيف حولت الإمارات عدن إلى مدينة منكوبة؟

الجنوب اليوم | الخليج أونلاين

 

شكّل هجوم الطيران الإماراتي على مواقع وتعزيزات للجيش اليمني بمحافظتي عدن وأبين (جنوب)، في أغسطس الماضي، لحظة فارقة في مسار الحرب في اليمن، وحولت عدن إلى عاصمة محتلة جديدة من قبل انقلابيين تدعمهم أبوظبي.

ومع مرور أكثر من 50 يوماً على الانقلاب الذي نفذه المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، في العاصمة المؤقتة عدن، تظهر الأحداث الأخيرة التي تشهدها المدينة أن الوضع لا يختلف كثيراً عما هو الحال عليه في العاصمة صنعاء، التي تقبع تحت سيطرة جماعة الحوثيين، وإن كان ذلك يتم بشعارات ووجهات ولاء خارجية مختلفة.

وبينما بدأ الحوثيون بفرض أنفسهم كسلطة أمر واقع بصنعاء في أواخر 2014، يعزز المجلس الانتقالي الجنوبي من تحركاته بنفس التصرفات، من خلال سطو قادته على المناصب والمؤسسات الحكومية، فيما ينهمك آخرون بانتهاكات واقتحامات لمنازل المعارضين المفترضين، وتزداد في الوقت ذاته نسب الجريمة المروعة، وحوادث القتل إضافة إلى العثور على جثث قتلى من المدنيين.

صحيفة تكشف ما يحدث بعدن

في مقال نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية لصحفية زارت عدن، قالت بيثان ماكيرنان، إن عدن تشهد ثلاثة صراعات في واحد، إضافة إلى تحالفات متغيرة وجبهة انفصالية جديدة، وسعي كل طرف للوصول إلى هدفه الذي ينشده.

وتضيف الكاتبة، في مقال نشر في 1 أكتوبر 2019، أنه منذ استيلاء المجلس الانتقالي على عدن وطرده للجنود والجيش التابع للرئيس عبد ربه منصور هادي، تعيش المدينة في فوضى واسعة، ونفذت عمليات قتل ونهب في معظم أرجاء المدينة.

وتصف الكاتبة الوضع في عدن، التي زارتها مؤخراً، بأنه تشابك معقد من مليشيات انفصالية وسياسيين انفصاليين يحاولون تعزيز سيطرتهم على الوضع في تحالف قد لا يزال قائماً ربما على الورق؛ لكنه لا يعني شيئاً في الواقع.

وأشارت إلى أن ما حدث في عدن “يجعل من الصعب جداً إيقاف الحرب التي حصدت أرواح أكثر من 100 ألف شخص وتسببت في أسوأ أزمة إنسانية عالمية”.

وأطلق المرصد اليمني الأمريكي لحماية حقوق الإنسان، ومقره واشنطن؛ تقريراً حول انتهاكات حقوق الإنسان في محافظات عدن، وأبين، وشبوة، من قبل مليشيا المجلس الانتقالي بين 2 و30 أغسطس 2019، كاشفاً عن وقوع (6978) انتهاكاً، تصدرت عدن النسبة الأعلى فيها.

القتل بالهوية.. وجثث بالشوارع

وتشهد عدن حالة فوضى وعنف غير مسبوق وتنامي الخوف والهلع، في ظل استمرار القتل بالهوية وانتشار الجثث بشوارع المدينة، بعد الانقلاب المدعوم إماراتياً.

وتداول ناشطون على نطاق واسع مقطعاً صادماً لهذه الإعدامات وعمليات التصفية خارج نطاق القانون التي تنفذها مليشيات الإمارات، وكانت بحق مدنيين.

وأظهر المقطع المتداول قيام عناصر تابعة لمليشيات “هاني بن بريك”، المدعوم إماراتياً، بتصفية مدنيين بينهم طفل، في حادثة هزت الشارع اليمني.

كما انتشرت، خلال الشهرين الأخيرين، قصص العثور على جثث مرمية في الشوارع، يقول سكان إنها لمدنيين تمت تصفيتهم بسبب خلافات شخصية في ظل انفلات أمني كبير تشهده المدينة.

وعبّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، ومقره جنيف، عن صدمته لما رصده من عمليات القتل والإعدامات الميدانية خلال السيطرة على محافظتي عدن وأبين، معرباً في بيان له أواخر أغسطس الماضي، عن قلقه البالغ “جراء تصاعد عمليات الاعتقالات والدهم لمنازل المدنيين في مختلف أحياء عدن”.

اعتقالات واسعة

وتشن قوات المجلس الانتقالي الجنوبي ملاحقات ومداهمات مستمرة لمنازل مناوئيها والمعارضين للإمارات ومسؤولين حكوميين وعسكريين.

وأشار الأورومتوسطي، في بيانه، إلى أن عدد حالات الذين طالتهم عمليات الاعتقال تجاوز الـ400 حتى 31 أغسطس الماضي (أي خلال أقل من 20 يوماً)، أغلبهم من المنتمين للمحافظات الشمالية، بالإضافة إلى المنتمين لمحافظتي شبوة وأبين، كما زادت الاعتقالات خلال شهر سبتمبر الماضي بكثير عما سبقها.

وكانت منظمة “رايتس رادار” لحقوق الإنسان، ومقرها أمستردام، دعت أيضاً إلى وقف موجة الانتهاكات الجسيمة التي ترتكب في حق مدنيين بمحافظتي عدن وأبين، من قبل مسلحي المجلس الانتقالي، المدعوم من الإمارات.

وطالبت المنظمة، في بيان لها في 4 سبتمبر الماضي، الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بسرعة “التدخل العاجل لوقف هذه الموجة من الانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين الذين طالتهم حملات الاعتقالات والتصفيات الجسدية، وممارسة الضغط على التحالف الذي تقوده السعودية للقيام بدوره في منع حدوث تجاوزات تنتهك القانون الإنساني الدولي”.

تعذيب حتى الموت

في 29 سبتمبر الماضي، توفي فنان تشكيلي يمني يدعى محمد شاطر (34 عاماً) من أبناء محافظة ذمار (شمال) بعد الإفراج عنه بساعات من سجون مليشيات الانتقالي بعدن.

وقالت وسائل إعلام يمنية إن شاطر توفي بعد ساعات من الإفراج عنه ووصوله لأحد مستشفيات ذمار، بعدما كان مسجوناً في معتقل سري بعدن ثلاثة أشهر، إثر اعتقاله من إحدى النقاط الأمنية على مدخل عدن.

كما حصل “الخليج أونلاين” على معلومات عن وفاة معتقل يدعى محمد مهدي يسلم (23 عاماً)، من أبناء محافظة أبين (جنوب) تحت التعذيب، داخل أحد السجون السرية التابعة للإمارات بعدن.

وقالت مصادر محلية إن جثة الشاب “يسلم” أرسلت إلى مستشفى “ابن خلدون” في محافظة لحج، وبقيت فيه 12 يوماً قبل إبلاغ أسرته.

أوضاع معيشية سيئة.. ونهب واسع

وتعاني عدن منذ أسابيع، من تردي الخدمات أو انعدامها؛ كما هي حال الكهرباء في منطقة تعاني ارتفاعاً كبيراً في درجة الحرارة والرطوبة العالية، مع تهديدات حقيقية بتوقف صرف مرتبات موظفي الدولة في ظل وضع اقتصادي هش.

وتزايدت أخيراً ساعات انقطاع التيار الكهربائي عن عدن والمحافظات المجاورة لها (أبين ولحج) لثلاث ساعات مقابل تشغيل التيار ساعتين فقط.

كما برزت مخاوف متزايدة لدى عامة الناس من الأنباء التي تتحدث عن توقف وشيك للخدمات في عدن، وعدم القدرة على صرف رواتب الموظفين الحكوميين عقب سيطرة الانتقالي على المدينة وتوقف الإيرادات.

كما شهدت عدن عمليات نهب واسعة استهدفت محالَّ تجارية لمعارضين للسياسات الإماراتية باليمن، ومنازل مسؤولين حكوميين بينهم وزراء وقيادات عسكرية، إضافة إلى مصارف ومصانع ومخازن.

وتقول الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، إن التطورات الأخيرة في عدن “وما نجم عنها من تمرد وانقلاب مسلح نفذته مليشيات ما يسمى المجلس الانتقالي، وسيطرتها على مؤسسات الدولة، أحدثت تدهوراً كبيراً في مستوى الخدمات”.

فشل كبير

ويقول الصحفي والناشط السياسي الجنوبي فتحي بن لزرق، إن المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات فشل في إدارة عدن بعد شهرين من سيطرته على المدينة بكامل معسكراتها ومؤسساتها الحكومية.

وقال بن لزرق في منشور له بـ”فيسبوك”: “المرء في عدن لا يحتاج أن يفهم أن المجلس بقيادته الحالية غير قادر على إدارة أي مؤسسة حكومية أو حتى رفع كومة قمامة واحدة”.

وأضاف: “نختلف أو نتفق حول شخصية عيدروس الزبيدي (رئيس الانتقالي) كقائد عسكري يمكن له أن يقود معسكراً أو لواء، لكن ما يجب الإقرار به أن الرجل يفتقر لأي خبرة إدارية أو سياسية لإدارة مؤسسات الدولة”.

أسوأ وضع إنساني

من جانبها قالت الناشطة الحقوقية ريم الردفاني، إن عدن تشهد أسوأ وضع إنساني وحقوقي منذ عدة عقود.

وأوضحت، في حديثها لـ”الخليج أونلاين”، أن ما يحدث في عدن “كارثة كبيرة، فالأحداث قد أخذت منحى مناطقياً، إذ صار كل سكان المدينة المنحدرين من محافظتي أبين وشبوة متهمين بموالاة الحكومة الشرعية، وتم إيقاف المئات منهم على نقاط التفتيش التي نصبتها قوات الحزام”.

وتابعت: “لا يستطيع أحد حصر عدد المعتقلين؛ لأن الأرقام في تزايد كل لحظة، كما أن التصفيات الجسدية الواسعة التي شهدتها عدن خصوصاً في أواخر سبتمبر الماضي مستمرة حتى اليوم”.

وقالت إن المنظمات الحقوقية لا تستطيع أيضاً رصد كل تلك الانتهاكات، بسبب التضييق الكبير الذي يتعرض له الناشطون والحقوقيون، مشيرة إلى أن بعضاً من النشطاء تعرضوا أيضاً للاعتقالات والملاحقات، ما دفع بالكثير منهم إلى الفرار من عدن ومناطق سيطرة الانتقالي الجنوبي.