منبر كل الاحرار

الأطماع السعودية في حضرموت والمهرة .. حقائق تاريخية

الجنوب اليوم | علي الشرعي 

 

حضرموت جزء من اليمن فهي احد ممالك اليمن الخمس في التاريخ القديم ومخلافها الثالث في التاريخ الاسلامي وإقليمها الشرقي في التاريخ الحديث.

واول إشارة وردت في ذكر حضرموت في التوراة بلفظ (خزرمانيت)  على انها اسم شخص هو الابن الثالث ليقطان .

وذكرها الهمداني في كتابه صفة (جزيرة العرب ) أن حضرموت من اليمن وجزءها الأصغر و نسبة إلى حضرموت بن حمير الأصغر فغلب عليها اسم ساكنها.

وكما اختلف المؤرخون والجغرافيون في تسمية حضرموت فقد اختلفوا ايضا حول حدود حضرموت.

وبكل تأكيد فأن حدود حضرموت كانت تختلف من فترة تاريخية إلى اخري اتساعا او ضيقا فحدودها  في التاريخ القديم مختلف عن حدودها في التاريخ الاسلامي وايضا فحدود حضرموت في التاريخ الحديث أقل من سعتها الجغرافية في التاريخ القديم او في مرحلة التاريخ الاسلامي

 

مملكة عريقة

تأسست مملكة حضرموت في جنوب شرق اليمن (1020 ق. م-125 م) وكانت عاصمتها الأولي (ميفعة) وميناءها (قنا) فى منطقة  بئر أحمد. وعاصمتها الثانية  مدينة (شبوة ).

ومع نهاية القرن الرابع الميلادي انحصرت مملكة حضرموت في الجزء الشرقي من اليمن وكانت عاصمتها (شبام) و( الشحر) الميناء والسوق التجاري لحضرموت.

ويقول محمد عبدالقادر بالفقيه فى كتابه (تاريخ اليمن القديم ) لم يكن وادي حضرموت الا جزءا من مملكة  مترامية الأطراف وكانت في أوج ازدهارها وهي من اكبر الممالك اليمنية القديمة وامتدت من مشارف بيحان غربا إلى حدود عمان شرقا شاملة ظفار كلها كما امتدت عبر البحر إلى جزيرة سقطرة.

وتكرر أسم حضرموت في الشعر الجاهلي كقول الشاعر عبديغوث الحارثي :

أبا كرب والأيهمين كليهما

وقيسا بأعلى حضرموت اليمانيا..

ورغم شهرة اسم حضرموت قديما لم يرد ذكرها بالقرآن الكريم.

 

حضرموت الكبري

واختلفت الآراء حول حدود مخلاف حضرموت في التاريخ الأسلامي فالبعض يرى أن اقصى حدود حضرموت والمسماه (بحضرموت الكبري) من عدن غربا إلى عمان شرقا وما بين المحيط الهندي جنوبا ورمال الأحقاف شمالا . وبهذا التحديد تشمل ما يعرف بحضرموت الداخل وحضرموت الساحل والمهرة وظفار وسلطة الواحدي وبلاد الفضلي ويافع والعوالق العليا والسفلي والعواذل ما عدا لحج والحواشب.

وفي التاريخ الحديث انحصرت حدود حضرموت في ما كان يعرف بالسلطنتين الكثيرية والقطيعية ويحدد البعض المساحة الجغرافية لحضرموت الحديثة لتشمل ما كان يعرف بمحمية عدن الشرقية وتضم اربع سلطنات هي (الواحدي والقطيعي والكثيري والمهري).

 

ظهور القوي

وفي التاريخ الحديث شكلت حدود حضرموت الشمالية الشرقية أهمية بالغة للقوي الطامعة بحضرموت

لم يهتم احد قبل نهاية القرن التاسع عشر بموضوع حدود حضرموت الشمالية الشرقية  .

وبدا الاهتمام بموضوع حدود الصحراء بعد تعزيز النفوذ العثماني في نجد والحجاز وتهامة وشمال اليمن . وتكرار محاولة الحركة الوهابية لأقامة دولتها السعودية الاولي والثانية في نجد والحجاز وبعض مناطق الخليج.

وكذلك توسع دائرة النفوذ البريطاني بعد معاهدتي الصداقة سنة 1882 م والحماية 1888 م مع السلطنة القطيعية ، وثم توقيع القطيعي والكثيري لاتفاقية التعاون بينهما سنة 1918 م ودخولهما تحت رعاية الحكومة البريطانية.

وعززت بوادر ظهور الثروة النفطية في الجزيرة العربية أهتمام الخارج والكيانات السياسية المحلية بموضوع الحدود في الجزيرة كلها بما في ذلك حدود حضرموت من ناحية الشمالية الشرقية .

 

حدود صحراء

تقع الحدود الشمالية الشرقية لليمن بمحاذاة الأطراف الشمالية لمحافظات المهرة وحضرموت وشبوة وبشكل أدق شمال شرق ما كان يعرف بالسلطنة المهرية وشمال السلطنة الكثيرية والسلطنة القطيعية وامارة بيحان .

ويمتد خط الحدود الشمالية الشرقية من جبل الثأر وهي آخر نقطة حدودية تم ترسيمها بموجب اتفاقية  معاهدة الطائف  الموقعة بين المملكة المتوكلية اليمنية وبين  المملكة العربية السعودية في مايو 1934 م وحتي نقطة التقاء الحدود اليمنية -العمانية- السعودية .

والجزء الاكبر من هذا الخط الحدودي يمر في الصحراء العربية المعروفة بصحراء الربع الخالي.

 

تصادم المصالح

وبدأ التحرك الفعلي لرسم خط الحدود في الصحراء مع بدء تصادم المصالح العثمانية البريطانية في المنطقة وخاصة بعد عودة العثمانيين إلى صنعاء سنة 1872 م ومحاولاتهم التوغل نحو الجنوب واتصالهم ببعض الامارات والسلطنات في جنوب اليمن ومنها السلطنة الكثيرية.

 

الخط الأزرق

لقد عملت بريطانيا عبر المفاوضات والتهديد باستخدام القوة لرسم خط الحدود لنفوذها في اليمن والخليج وتمكنت بعد جهود دبلوماسية  وسياسية وعسكرية من إجبار الخلافة العثمانية على توقيع اتفاقيتين للحدود معها الاتفاقية الاولي سنة 1913 م وسميت باتفاقية الخط الأزرق واتفاقية سنة 1914 م وسميت باتفاقية الخط البنفسجي .

 

معاهدة صنعاء

ولم تواجه بريطانيا منذ توقيع اتفاقية الحدود مع الدولة العثمانية اي مشكلة بالنسبة لمناطق نفوذها فى شرق اليمن وشماله الشرقي وذلك لأن جميع الدول المحاذية لمناطق النفوذ إما واقعة تحت الحماية البريطانية أو لبريطانيا علاقات قوية معها.

وظهرت بعد الحرب العالمية الأولي مشكلة مطالبة المملكة اليمنية  بأراضي جنوب اليمن غير ان هذة المشكلة حلت بمعاهدة صنعاء الموقعة عام 1934 م بين بريطانيا والأمام يحيى وبموجبها اعترف الأمام يحيى النفوذ البريطاني في الجنوب .

 

محمية عدن

وفي سنة 1938 م برز خلاف بين بريطانيا والامام بشأن السيادة على مدينة شبوة التاريخية ومنطقة العبر بحضرموت ولكن بريطانيا حسمت الخلاف بالقوة وتم طرد عامل الأمام في شبوة والعبر  وإلحاق المنطقة بمحمية عدن الشرقية.

 

اكتشاف البترول

وبدأ الخلاف الحقيقي بشأن خط الحدود الشمالي الشرقي  قبيل واثناء وبعد الحرب العالمية الثانية بين القوي الطامعة بحضرموت والمهرة لعدة اسباب اهمها اكتشاف البترول في دول الخليج والسعودية ، ووصول النفوذ الأمريكي إلى الجزيرة العربية وعبر شركات البترول واهمها شركة أرامكو ، والتقارب في العلاقات بين السعودية وبريطانيا وامريكي ، وبدأ اعمال البحث عن النفط في حضرموت وخاصة في أطراف صحراء الربع الخالي ، والآثار السياسية والأقتصادية والفكرية لنتائج الحرب العالمية الثانية على المنطقة العربية ومنها اليمن.

 

جيش البادية

وظهور الاهتمام البريطاني بالحدود الشمالية الشرقية من خلال قيام أول مستشار بريطاني في حضرموت (هارلود انجراس) بتأسيس وحدة عسكرية عرفت بأسم (جيش البادية الحضرمي)  وأقيم أول معسكر لهذه القوة العسكرية في منطقة (غيل بن يمين ) عام 1939 م وبدأت هذه القوة بحوالي خمسين رجلا ثم وصل العدد إلى 300 جندي وسبعين فردا من غير النظاميين ومائة شخص من الأحتياط وأنتقل مركز جيش البادية الحضرمي إلى مدينة المكلا سنة 1943م .

وتم بناء مركز حراسة من قوات جيش البادية في المناطق النائية وخاصة في اطراف الصحراء كالعبر ورملة السبعتين.

وكان من إبرز اهداف تأسيس جيش البادية الحضرمي هو حماية الحدود الشمالية الشرقية من أي زحف سعودي تجاة الطرف الجنوبي لصحراء الربع الخالي، وكذلك تكون مراكز الجيش احد معالم حدود محمية عدن الشرقية .

 

توغل سعودي

ويأتي هذا الاهتمام مع ظهور النشاط السعودي على خط الحدود ففي عام 1936م كلفت السعودية المستشرق جون فلبي المعروف بأسم عبدالله فلبي برسم خريطة مفصلة للحدود السعودية مع المملكة اليمنية ومحمية عدن الشرقية .

وشهدت الخمسينيات من القرن الماضي توترا في العلاقات السعودية البريطانية لعدة اسباب اهمها الخلاف على واحة البريمي مما انعكس على الحدود الشمالية الشرقية حيث عبر السعوديون عن رفضهم للإعلان البريطاني بترسيم الحدود من خلال بعض المناوشات الحدودية والأعمال المعادية للإنجليز في جنوب اليمن ومنها اختراق خط الحدود سنة 1955 م بتوغل فرقة من شركة أرامكو داخل حضرموت وبمسافة تقدر بثلاثين ميلا وبحراسة قوات سعودية فتم احتجازهم بواسطة قوات جيش البادية الحضرمي وبدعم سلاح الجو البريطاني وارسلت هذة المجموعة على متن طائرة خاصة إلى مدينة جدة.

 

سياسة الأحتواء

ومن اجل تحقيق السعودية لاهدافها في حضرموت والمهرة عملت على سياسة الأحتواء من خلال  احتضان ودعم رابطة أبناء الجنوب وعلى وجه الخصوص فرع الرابطة في حضرموت . وايضا الأهتمام بالمهاجرين الحضارم داخل المملكة العربية السعودية واعطاء التسهيلات لأستقبال اعداد جديدة من المهاجرين الحضارم ما بين الفترة 1960- 1967م .

والقيام بالضغط وبدعم امريكي على بريطانيا لمنع دخول محمية عدن الشرقية حضرموت والمهرة في اتحاد إمارات الجنوب العربي التي اسسته بريطانيا سنة 1959 م .

و التحضير لفتح فرع للبنك الأهلي التجاري السعودي في مدينة المكلا و تنفيذ مشاريع خدمية لبعض مدن حضرموت بتمويل سعودي  وارسال بعثة تعليمية إلى حضرموت مكونة من ثلاثين مدرسا نهاية عام 1964 م.

 

تدخل أمريكي

ولتعزيز تلك العلاقات حقق الامريكيون نصرا اقتصاديا في حضرموت بالضغط على بريطانيا والسلطتين الكثيرية والقطيعية لإلغاء الامتياز الممنوح للشركة البريطانية للتنقيب عن النفط في حضرموت واستبدالها بشركة (بان أمريكان) وقد تمت المفاوضات الاولية بين وفد الشركة الامريكية وسلطنتي  الكثيري والقطيعي في يونيو 1961م وبعدها بشهر وقعت الا

تفاقية النهائية في المكلا . ويعتبر اللغاء عقد التنقيب عن النفط عن الشركة البريطانية واستبدالها بشركة أمريكية عملا لصالح السعودية في حضرموت لما سوف يترتب عليه بعدم جدية الشركة الامريكية بالتنقيب عن النفط في حضرموت .

 

استقلال ذاتي

ومع اندلاع ثورة 14 اكتوبر 1963م في جنوب الوطن ضد المحتل البريطاني وتسارع الاعمال العسكرية والفدائية  للجبهة القومية  ضد الانجليز في جنوب الوطن . سعت المملكة العربية السعودية إلى  الاستحواذ على حضرموت باقامة علاقات سياسية واقتصادية مع سلاطينها ومحاولة فصلها عن جنوب الوطن واعطاءها استقلال ذاتي ويتمثل ذلك زيارة وفد سعودي للمكلا عام 1965 م ولقاءه وزير السلطنة القطيعية والاتفاق معه على الضغط على بريطانيا باعطاء حضرموت والمهرة استقلال خارج إطار اتحاد الجنوب العربي وان تكون هناك علاقات خاصة ومتميزة مع المملكة العربية السعودية .

 

الباخرة السعودية

وحينما كان المحتل البريطاني يلفظ انفاسة الاخيرة بجنوب الوطن كانت السعودية تسابق الزمن لتحقيق  اطماعها السياسية والاقتصادية بحضرموت والمهرة ففي سبتمبر 1967 م وصل سلاطين حضرموت والمهرة إلي المملكة العربية السعودية  وذلك بعد ان شاركوا في مؤتمر لندن الدستوري ولقاء جنيف بشأن استقلال جنوب الوطن حيث قابل السلاطين أكثر من مسؤول سعودي وعاد السلاطين إلى مدينة المكلا على ظهر باخرة سعودية ومعهم مساعدات مالية  سعودية لتعينهم على مواصلة الحكم في الفترة القادمة .

 

وثيقة التنازل

ولكن الأحداث السياسية في جنوب الوطن سارت في اتجاه مغاير لرغبات ومطامع السعودية وكذلك الأمريكية ففي اثناء غياب السلاطين وقبيل وصولهم بليلة واحدة سيطرت الجبهة القومية وبمساعدة جيش البادية الحضرمي على السلطة في مدينة المكلا وضواحيها في 17 سبتمبر 1967م وحال وصول الباخرة السعودية ميناء المكلا المقلة لسلاطين حضرموت والمهرة منعت الجبهة القومية بمساعدة جيش البادية الحضرمي السلاطين من النزول من ظهر الباخرة بل وطلب منهم عبر وفد ارسلته الجبهة القومية لسلاطين على ظهر الباخرة التوقيع على تنازلهم على الحكم.

ولم يكن امام السلاطين سوي خيارين إما التوقيع على وثيقة التنازل والعودة إلى المملكة العربية السعودية أو الموت على ظهر الباخرة  فاختاروا الخيار الأول ووقعوا على وثيقة التنازل وعادت الباخرة بهم إلى مدينة جدة السعودية كلاجئين سياسيين وليس سلاطين لحضرموت والمهرة واستلمت الجبهة القومية  مقاليد السلطة في كل من حضرموت والمهرة . لتتبخر المطامع السعودية في حضرموت والمهرة لتدخل العلاقات مرحلة جديدة ومغايرة بعد نيل جنوب الوطن استقلاله بجلاء المستعمر البريطاني في 30 نوفمبر 1967 م.

وامام هذا العرض التاريخي قديما لحضرموت واستعراض وضعها السياسي فى القرن العشرين  ومطامع القوي الخارجية والمستعمر ندرك  المطامع السعودية ومن خلفها الامريكية المستميتة فى سلخ حضرموت والمهرة عن جسم الوطن الأم ومحاولاتها المتعددة بشتئ الطرق والوسائل لايجاد لها موطئ قدم في اهم جزء استراتيجي واقتصادي في  الوطن. فأن ما نشاهده اليوم الا دليل واضحا وشاهدا حيا على تلك المطامع القديمة والتي تظهر الان واضحة وجلية في محاولة السعودية السيطرة على حضرموت والمهرة .

نشر في : البوابة الإخبارية اليمنية