منبر كل الاحرار

تحقيق صحفي يكشف تفاصيل توغل السعودية في المهرة

الجنوب اليوم | الموقع بوست

 

حين تزور محافظة المهرة (شرقي اليمن) فإن الحديث الشائع الذي ستسمعه في أوساط الناس هناك هو وضع مطار الغيضة المحلي، وكيف تحول إلى مصدر قلق للمحافظة وسكانها، بل ووسيلة من وسائل التهديد بالعقاب، وقاعدة عسكرية متعددة المهام.

أصبح المطار منذ مجيء القوات السعودية إلى المهرة نهاية العام 2017م قاعدة عسكرية مغلقة لصالح تلك القوات التي تشرف على إدارته بكافة مرافقه، ومقرا عاما لها تدير منه مختلف أنشطتها وأجندتها في المحافظة، والأدهى من ذلك تحويله لقاعدة استجواب استخباراتية، وسجن كبير لمن تعتبرهم القوات السعودية خصوما ومعارضين لها.

أخضع المطار بشكل كامل لمصلحة تلك القوات، بعيدا عن السلطة المحلية، وإشراف الحكومة اليمنية، وقيادة الجيش المتواجدة هناك، وبات الاقتراب منه أمرا محفوفا بالمخاطر، أما عملية الدخول والخروج إليه فلا يسمح لأحد إلا أولئك الذين يأذن لهم قائد القوات السعودية في المهرة، بما فيهم المسؤولون اليمنيون الذين لهم ارتباط بالمطار عسكريا ومدنيا.

أما القوات اليمنية المتواجدة في المطار فهي محدودة العدد، وجرى تدريبها من قبل السعودية، وتمارس مهاما محدودة بتوجيهات من الضباط السعوديين في سياق الأهداف والتحركات التي ينفذها الجيش السعودي داخل المحافظة بمديرياتها التسع.

جغرافيا المطار

يعد مطار الغيضة أكبر مطار محلي في اليمن من حيث المساحة، إذ تبلغ مساحته وفق تقديرات رسمية 26 كيلومتر مربع، ويطوقه سور إسمنتي من مختلف الجهات، ويقع جنوب مدينة الغيضة على تلة مطلة على المدينة، مما أكسبه موقعا إستراتيجيا هاما.

ظل المطار يعمل منذ إنشائه في تسيير الرحلات المدنية الداخلية باليمن، بالإضافة إلى وظيفته العسكرية، نظرا لوجود معسكر للجيش في إحدى نواحيه، وتوقفت حركة الطيران المدني فيه منذ العام 2011، بسبب الأحداث التي شهدتها اليمن، ورغم ذلك ظل تحت سلطة وإدارة السلطة المحلية والجيش في المحافظة.

ومع وصول القوات السعودية إلى المطار نهاية العام 2017م، بدأت فترة تحول جديدة في المطار، الذي تصدر الاهتمام والحضور، ليس بسبب الخدمات التي يقدمها للسكان هناك كما يفترض، ولكن بسبب الدور الجديد الذي باتت تلعبه القوات السعودية هناك، والذي انسحب على مجمل الأحداث التي تعيشها محافظة المهرة اليوم.

وصول السعودية للمطار

إبان فترة إدارة المحافظ محمد علي ياسر لمحافظة المهرة، وصلت قوات إماراتية إلى المحافظة في العام 2015م تحت غطاء الهلال الأحمر الإماراتي، وتنفيذ الأعمال الإنسانية، وقامت بتجنيد مجموعة من أبناء المهرة في الأمن، وبلغ عدد مرات التجنيد أربع دفع، وتضم كل دفعة 500 جندي من الحاملين للشهادات الجامعية، باستثناء الدفعة الأخيرة التي تم تخصيصها لأقارب مسؤولين مدنيين وعسكريين وقبائل سواء من داخل المحافظة أو خارجها، وسنتحدث بمادة مستقلة عن التجنيد الذي حدث في المهرة خلال الثلاثة الأعوام الأخيرة.

الدفعة الأولى التي تم تجنيدها من قبل القوات الإماراتية في المهرة بلغ عددها 500 جندي، أغلبهم يحملون شهادات جامعية، وأشرف على تدريبها أحد الضباط المنتمين للجيش اليمني من أبناء المهرة، وتمت عملية التدريب لمدة 45 يوما في مدرسة القتال العسكرية بالمهرة، والتي تقع في أحد المعسكرات، تحت إشراف مسؤولين إماراتيين يعملون في الهلال الأحمر الإماراتي، الذين زاروا الجنود أثناء تدريبهم لمرتين متتاليتين، وبعد انقضاء فترة التدريب تم توزيع الجنود على عدة دوائر حكومية وأمنية في المحافظة.

يقول مصدر عسكري كانت له علاقة بعملية التجنيد لـ”الموقع بوست” إن دوافع  ذلك التجنيد كانت لسد الفراغ الذي خلفه تشتت الأجهزة الأمنية في المهرة وتفككها بعد الانقلاب الذي وقع في العاصمة صنعاء، وجاء كمحاولة لمنع سقوط المحافظة في الفراغ الأمني، وحماية مؤسساتها، إضافة لخلق وظائف للكثير من شباب المحافظة الخريجين الذي ظلوا في رصيف البطالة بعد تخرجهم من الجامعات.

ظل الوضع كما هو في عهد المحافظ محمد علي ياسر، الذي ينتمي للمؤتمر الشعبي العام، وهو عضو الكتلة البرلمانية للمؤتمر، وكانت فترة إدارته للمهرة من أفضل الفترات التي عاشتها المهرة رغم قصرها، وبعد إقالته من منصبه وتعيين محمد عبد الله كدة محافظا للمهرة بدأت فترة جديدة بتفاصيل مختلفة.

عين كدة محافظا للمهرة في السادس من نوفمبر 2015م، وجاء للمهرة في الوقت الذي كان الحضور الإماراتي لا يزال مهيمنا على المحافظة تحت غطاء الهلال الأحمر الإماراتي، ومع تعيينه بدأ يرجح كفة الحضور السعودي في المهرة، ويقلص النفوذ الإماراتي هناك.

يكشف قائد عسكري -طلب التحفظ على هويته- أن المحافظ كدة تقدم بمقترح للأمير السعودي فهد بن تركي، قائد القوات المشتركة في اليمن (قائد القوات البرية سابقا)، يتضمن تأهيل 61 مجندا من الدفعة الأولى التي تم تجنيدها في المهرة في السعودية ليصبحوا أكثر كفاءة في إدارة الشؤون الأمنية للمحافظة.

وافق الأمير تركي بن فهد على الأمر، لكنه اختار 21 مجندا فقط، وتم الاتفاق على تأهيلهم عسكريا في قاعدة عسكرية تابعة للقوات السعودية بمدينة الطائف.

رحلة التدريب

تم تجهيز تلك الدفعة (21 مجندا) وسافرت برا عبر منفذ الوديعة السعودي دون علم القوات اليمنية التابعة للحكومة الشرعية المتواجدة في النقاط المؤدية إلى السعودية، وفي منفذ الوديعة مُنح هؤلاء الجنود أرقاما عسكرية من الاستخبارات السعودية بالتنسيق مع مسؤول عسكري بسفارة اليمن في الرياض، ونقلوا من منفذ الوديعة إلى شرورة، ثم أقلتهم طائرة عسكرية لاحقا إلى قاعدة الملك فهد العسكرية في الطائف.

في تلك القاعدة تلقى الجنود دورة عسكرية لمدة ثلاثة أشهر لتأهيلهم كضباط، وشملت الدورة مختلف علوم الشرطة كالتحقيق والتحركات العسكرية والبحث والتحري وحماية الشخصيات وعدة تخصصات أمنية.

وبعد إكمال الدورة منحت لهم شهادات تخرج، وتوسط المحافظ كدة لدى الرئيس عبد ربه منصور هادي، واستصدر قرارا منه بترقية المجموعة من جنود إلى رتبة ملازم ثانٍ كضباط.

ومن الملفت هنا أن راجح باكريت الذي كان مقيما في السعودية كان على تواصل دائم بتلك المجموعة أثناء تدريبهم في الطائف، وأبلغهم بأنهم سيعملون معه بعد تخرجهم وعودتهم إلى المهرة، وهو ما يفسره أحد المسؤولين المحليين في المهرة بأنه كان يعلم بقرار تعيينه محافظا للمهرة، بدلا عن كدة الذي لم يكن يتوقع حصول هذه التطورات لاحقا.

بعد انتهاء الدورة حددت القوات السعودية موعد عودتهم لليمن، ولكن لم يتم السفر في الوقت المحدد، وتأجل لمدة 18 يوما، وظلت المجموعة داخل قاعدة الطائف العسكرية، ثم تم ترحيلهم عبر الطيران العسكري السعودي إلى منطقة شرورة قرب الحدود اليمنية، وظلوا هناك لمدة أسبوع كامل.

بعد انقضاء الأسبوع أقلت طائرة عسكرية أولئك الجنود إلى مطار سيئون، وعلى متن ذات الطائرة نقلوا إلى مطار الريان بحضرموت الذي يخضع لإشراف القوات الإماراتية، والتي قامت بتفتيش المجموعة بشكل دقيق بما في ذلك الضباط السعوديون، الذين اعتبروا تفتيشهم بتلك الطريقة من قبل الإماراتيين إساءة لهم.

وفي ظُهر اليوم التالي لوصولهم مطار الريان، تحركت المجموعة إلى محافظة المهرة عبر أطقم عسكرية تابعة للسعودية والإمارات، وصل عددها إلى 20 طقما، يرافقها حراسة أمنية من ثلاثة أطقم، وتقودها مجموعة سعودية مكونة من 11 جنديا وضابطا سعوديا تحت قيادة ضابط سعودي اسمه أبو علي العتيبي ويحمل رتبة مقدم.

دخل الموكب محافظة المهرة في العاشرة ليلا، وأثناء وصوله إلى منطقة السجون بالمهرة كانت مجاميع من القبائل تحوط المكان وتحتشد فيه، بعدما تناهى إلى مسامعها وجود قوات عسكرية قادمة إلى المهرة، ولم تعرف هويتها، ورجحوا -وفق تصريحات خاصة لـ”الموقع بوست”- أن تلك القوات والأطقم العسكرية تتبع قوات النخبة الحضرمية في حضرموت، وتسعى للسيطرة على المحافظة واقتحام المطار.

انقسمت القبائل في نفس الوقت بين مؤيد ومعارض، كان المؤيديون هم مشايخ القبائل الموالون للسعودية في المهرة، والمعارضون هم المشايخ الذين يرفضون أي تواجد عسكري خارجي داخل المحافظة.

يقول أحد المسؤولين عن تلك الدفعة من الجنود: “وقتها أدركنا أن تأخيرنا لمدة 18 شهرا في الطائف وأسبوع في شرورة، كان له علاقة بموضوع دخول السعوديين للمطار، وأن سبب التأخير كان لكسب الوقت في التنسيق مع القبائل الموالية لهم في المهرة لاستقبالنا وتسهيل دخولنا للمطار”.

وفقا لشاهد عيان كان حاضرا تلك اللحظات في حديثه لـ”الموقع بوست”، فقد ظلت القبائل في تفاوض وجدل فيما بينها تارة، ومع الضباط السعوديين تارة أخرى، حتى الساعة الثانية فجرا، ووصل حينها الشيخ علي سالم الحريزي والشيخ عبد الله بن عيسى آل عفرار، واللواء أحمد قحطان، وطلبوا من الموكب المبيت في أحد فنادق الغيضة حتى يتم التفاهم مع الحكومة اليمنية الشرعية المقمية في الرياض ومعرفة الأمر، ورد قائد الموكب السعودي بأن لديه أمرا بالوصول لمطار الغيضة ودخوله والإقامة فيه، ووسط حالة الجدل وصلت برقية من الرئيس هادي تقضي بنقل الموكب المتضمن الضباط اليمنيين المتخرجين ومرافقيهم من الجانب السعودي إلى اللواء 37 المتواجد في الغيضة، وهو ما تم.

في الصباح جاءت شخصيات من السلطة المحلية، كما توافدت القبائل لبوابة اللواء تطالب بمنع ذلك الموكب العسكري الدخول إلى المطار، وظل في اللواء لمدة ثلاثة أيام، وفي نفس الوقت ظلت القبائل مرابطة أمام بوابة اللواء، ثم توصلت شخصيات في السلطة المحلية لحل يقضي بدخولهم  للمطار وفق شروط من بينها بقاء المطار بشكله المدني، وعدم تحويله لثكنة عسكرية أو مطار عسكري.

وتذكر مصادر بالجيش للموقع بوست طلبت التحفظ على هويتها أن برقية وصلت من مكتب نائب الرئيس الفريق علي محسن الأحمر تم التوجيه فيها بالسماح لتلك القوات السعودية بالدخول للمطار، وهناك تمركزت تلك القوات وخصصت مبانٍ للإقامة والعمل مع تلك الدفعة العسكرية من الضباط المحليين الذين جاؤوا برفقتهم.

في بداية الأمر كانت تلك الدفعة من الضباط اليمنيين يقيمون في مكان واحد مع الضباط والجنود السعوديين، وبعد انتهاء فترة الخدمة للطاقم السعودي الذي وصل مع تلك الدفعة جاء طاقم عسكري جديد، وقاموا بفصل مكان سكنهم عن الضباط اليمنيين، وانتقلوا إلى موقع جديد داخل المطار، وجلبوا “كونتيرات” خاصة بهم للسكن فيها، بلغت أكثر من 100 كونتيرة.

بالنسبة للدفعة من الضباط اليمنيين الذين تم تدريبهم في السعودية، فقد تم توزيعهم على عدة مقار أمنية حكومية في المهرة، من ضمنها ميناء نشطون والأمن العام، والشرطة الجوية في المطار، وأبراج المطار، كما جرى انتداب بعضهم للعمل في وزارة الدفاع، رغم أن الدفعة كاملة تتبع وزارة الداخلية اليمنية، وتتسلم رواتبها منها.

بداية التمركز في المطار

أما بالنسبة للقوات السعودية، فقد قام الضباط فيها بعد أيام بتفقد المطار، وقدموا وعودا بتأهيله ليمارس دوره المدني بشكل كامل في خدمة السكان كما زعموا، وكانت الإمارات حينها لا تزال موجودة داخل المهرة، ورفض قائد تلك القوات السعودية -يدعى “العتيبي”- دخول قائد القوات الإماراتية المتواجدة في المهرة واسمه “أبو علي” إلى المطار.

بعد أسبوعين من تمركز القوات السعودية في المطار، صدر في السابع والعشرين من نوفمبر 2017م قرار إقالة المحافظ محمد عبد الله كدة، وتعيين راجح باكريت محافظا للمهرة، ومثّل تعيينه بداية للتواجد السعودي بشكل رسمي في المهرة، خصوصا أن الاستخبارات السعودية هي من رشحته لدى الرئيس هادي لهذا المنصب، وهو ما يعكس وجود تركيز واضح من السلطات السعودية على الحضور والتمركز في محافظة المهرة، وفق ما نشره الموقع بوست في تحقيق سابق عن باكريت.

وبعد عشرين يوما من وصول تلك الطليعة الأولى من القوات السعودية، وصلت أول طائرة عسكرية سعودية لمطار الغيضة، حاملة مؤن عسكرية وجنود جدد للتناوب على العمل داخل المطار، حيث تعمل تلك القوات في المهرة بنظام التناوب كل ثلاثة أشهر.

قبل وصول تلك الطائرة كانت المؤن والمعدات العسكرية تصل إلى القوات العسكرية السعودية في مطار الغيضة في شاحنات تنطلق من منفذ الوديعة عبر البر، وجرى إرسال شاحنتين في بادئ الأمر إلى المطار تحملان أسلحة، وفق تصريح أحد المسؤولين في المطار لـ”الموقع بوست”.

كانت أول شخصية رسمية تصل مطار الغيضة بعد تمركز القوات السعودية فيه، هو المحافظ باكريت الذي وصل المطار على متن طائرة سعودية في الأول من يناير 2018م، وبوصوله وممارسته لعمله كمحافظ توافرت كل عوامل التحرك والانتشار لتلك القوات في المهرة، التي عملت تحت غطاء رسمي وفره لها المحافظ باكريت.

الإطباق على المطار

يقول مصدر أمني رفيع حضر التفاوض والتواصل مع السعوديين في اليوم الأول لوصولهم المهرة، قبل دخولهم المطار، إن القوات السعودية قالت ذلك اليوم إنها جاءت للمهرة لإصلاح مطار الغيضة وتأهيله فقط، ولم يتطرقوا لإنشاء معسكرات، أو أي أجندة أخرى لهم في المهرة، بل أكدوا أن لديهم مساعدات للمهرة، وبدلا من استقدامها عبر البر أو البحر ويستغرق نقلها فترة طويلة، سوف يؤهلون مطار المهرة، ويعيدون ترتيبه وتحديثه بالأجهزة الأمنية اللازمة، ويتم نقل تلك المساعدات بواسطة الطيران المدني إلى المحافظة وتوزيعها للسكان.

ويضيف في تصريحه لـ”الموقع بوست”: “أكدوا لنا وقتها بأنهم أتوا لمساعدتنا وليس للإضرار بنا، وتم تحديد فترة شهر لإنجاز عملية تأهيل المطار ونقل المساعدات”.

وتابع: “عندما تمكنوا من المطار وأحكموا قبضتهم عليه، وجلبوا السلاح إليه عبر الطيران العسكري التابع لهم، بدؤوا في الخطوة الثانية وهي استقبال مشايخ القبائل واستمالتهم وإغراءهم بالمال والسلاح، وغيرها من الخطوات.

عملت القوات السعودية داخل المطار على تأمينه بشكل كامل بما يضمن عدم تعرضها لأي مواجهة أو استهداف، من خلال تركيب الكاميرات الحرارية في أسوار المطار، وإعادة توزيع فرق الحراسة على مختلف المواقع، واستحداث بوابات جديدة، وإخضاع القوات اليمنية المحلية المتواجدة في المطار لإشرافها الكامل، مستفيدة من المساحة الكبيرة التي تتبع المطار.

توقفت على إثر ذلك الرحلات المدنية من وإلى المطار، وظلت الطائرات العسكرية السعودية وحدها التي تمتلك الحرية الكاملة في الوصول للمطار والمغادرة منه، والتي تنقل في العادة الشخصيات القبلية المؤيدة لها وتحمل جنسيتها، أو تلك الشخصيات التي تعمل معها، كما تقوم تلك الطائرات في الغالب بجلب الأسلحة بمختلف أنواعها، بما في ذلك المدرعات التي تستخدمها تلك القوات عند خروحها من المطار، وكذلك الأسلحة التي تم توزيعها على مشايخ القبائل، وهو ما سنتحدث عنه في مادة منفصلة.

تنقل تلك الطائرات الجنود السعوديين الذين يتناوبون على العمل في المهرة ذهابا وإيابا، وأتاحت لها تلك السيطرة الكاملة على المطار إلى رفع عدد جنودها في محافظة المهرة، والذين وصل عددهم -وفقا لمعلومات أدلى بها مصدر خاص لـ”الموقع بوست”- إلى أكثر من 500 جندي وضابط، منهم 200 يعملون داخل المطار، بينما يتوزع البقية على المعسكرات التي أنشأتها تلك القوات في أكثر من مكان داخل المهرة، ومن بينهم فريق سعودي يتبع الديوان الملكي في العاصمة السعودية الرياض، وفريق آخر يتبع الاستخبارات السعودية، وفقا لمصادر محلية وثيقة الاطلاع في المهرة.

لا تسمح تلك القوات لأحد بالدخول للمطار إلا بعد موافقتها المباشرة، بما في ذلك المسؤولون اليمنيون المدنيون والعسكريون، وأطبقت سيطرتها على بوابات المطار الثلاث، واحتفظت لنفسها بالسلطة الكاملة في إدارتها.

فالبوابة الغربية للمطار لا يسمح لأحد الدخول منها، وتقوم عناصر من الشرطة الجوية بحراستها، وتخضع لتوجيهات وإشراف القيادة السعودية، أما البوابة الشرقية للمطار، فقد أعاد السعوديون تفعيلها، بعد أن كانت مغلقة في السابق ووزعوا فيها قوات خاضعة لإشرافهم، وأنشؤوا متارس ترابية وإسمنتية أمامها، ويستخدمونها لتحركاتهم في الدخول والخروج، ولا يسمح للقوات اليمنية المحلية باستخدامها.

أما البوابة الثالثة -وتقع في الجهة الشمالية من المطار- فتعد الرئيسية، ويدخل منها المدنيون والمسافرون عبر الطيران، ويتمركز فيها جنود يتبعون قوات الأمن الخاصة (الأمن المركزي سابقا)، تحت إشراف القوات السعودية.

المطار كقاعدة عسكرية

كل تلك الأساليب التي اتبعتها القوات العسكرية في مطار الغيضة منذ وصولها، حولته إلى قاعدة عسكرية متكاملة، ومقر أمني تنطلق منه لتنفيذ أجندتها في المهرة، ومركز لإدارة عملياتها العسكرية.

ففي داخل المطار تُعقد اللقاءات المستمرة لتلك القوات، ومنه تصدر التوجيهات لباقي القوات في المواقع والمعسكرات التي أنشأتها في المهرة عبر غرفة عمليات تم استحداثها، وبداخله يجري حل الإشكاليات التي تخص القوات المتواجد في المهرة بشكل عام، وكذلك استقبال المؤيدين لها من المشايخ والشخصيات، وصرف المعونات والمساعدات التي تقدمها في المهرة تحت مسمى إعادة الإعمار.

وفقا لشخصيات عملت مع تلك القوات في حديثها مع “الموقع بوست”، فالسعوديون هم من يتحكمون بالطيران الواصل لمطار الغيضة والمغادر منها بشكل كامل، بل ويقومون بإنزال الطاقم اليمني من مواقع الأرصاد ويتولون المهمة بأنفسهم.

من تلك القاعدة العسكرية في المطار يجري توزيع الضباط السعوديين على المواقع العسكرية التي يستحدثونها في المهرة، فالضابط السعودي (العتيبي) الذي وصل أول مرة إلى المطار برفقة المجموعة اليمنية، تم تكليفه قائدا لمعسكر استحدثته القوات السعودية في مديرية حات، والذي يعد أحد أهم وأبرز معسكراتها في المهرة.

يتحدث مسؤول أمني عن واقعة حدثت مطلع شهر مارس الماضي، معتبرا أنها دليل على مدى تحكم القوات السعودية بالوضع في مطار الغيضة، وتحدث هذا المسؤول -شريطة عدم الكشف عن هويته- عن وصول طائرة مروحية تابعة للجيش اليمني من سيئون إلى مطار الغيضة، يقودها اثنان من الطيارين، وتحمل زيوتا لواحدة من الطائرات العاطلة في المهرة كي يتم إصلاحها، لكن القوات السعودية في مطار الغيضة اعترضت على وصول تلك الطائرة، بحجة عدم إبلاغها المسبق بقدوم الطائرة.

واعتبرت القوات السعودية عدم إبلاغها مسبقا محاولة للفرار بالطائرة إلى سلطنة عمان، وجرى تضخيم الأمر بشكل مبالغ فيه، كما يقول هذا المسؤول الذي كشف بأن القوات السعودية قامت بالتحقيق مع الطياريْن داخل مطار الغيضة، وبعد تدخل مسؤولين محليين جرى نقل الطياريْن وإيداعهما السجن التابع للاستخبارات العسكرية اليمنية بالمهرة، واستكمال التحقيق معهما، ولا يزالان فيه حتى نشر هذه المادة.

وفي سبيل إعادة رسم الخارطة في المطار، أنشأت القوات السعودية معسكرات خاصة بها داخل المطار، وخصصت للقوة اليمنية العسكرية المتبقية معسكرات أخرى، وليس لهذه الأخيرة أي علاقة بالأولى، ولا تستطيع حتى معرفة ما يجري فيها.

كما خصصت القوات السعودية في المطار معسكرا خاصا تتمركز فيه ما تسمى بقوات التدخل السريع، وهي قوات غير نظامية، ولا تتبع أي جهة حكومية يمنية رسمية، ويصل عدد أفرادها إلى 1200 جندي، وتتبع بشكل مباشر المحافظ راجح باكريت، وتتشكل من أفراد تم جلبهم من خارج محافظة المهرة، ويعمل أفراد هذا المعسكر مع القوات السعودية التي تدعمهم بالمال والسلاح، ويقودهم شخص يدعى “وضاح الكلدي”، الذي كرمه قائد القوات السعودية في المهرة العميد ركن بحري هزاع المطيري قبل أيام، وفقا لما نشره المركز الإعلامي للمهرة والتابع لقيادة المحافظة.

سجون داخل المطار

وفي داخل المطار أنشأت القوات السعودية عدة سجون، خصص واحد منها في مقر الشرطة الجوية اليمنية كسجن للجنود الذين يستحقون عقوبة الحجز، وهو أسلوب متعارف عليه داخل المؤسسة العسكرية.

وهناك سجن آخر تم تخصيصه للأفراد العابرين بجوار المطار عند الاشتباه بهم، ويتم سجنهم من يوم إلى يومين، ثم يتم الإفراج عنهم بعد التحقيق معهم، وثبوت عدم تورطهم بأي أنشطة تستهدف المطار والقوات المتواجدة فيه، واستقبل هذا السجن عدة حالات، منها شخص حاول تصوير سور المطار من الشارع، وجرى القبض عليه، والتحقيق معه، ثم أفرج عنه لاحقا.

أما السجن الذي جرى استحداثه من قبل تلك القوات، فهو ذلك المخصص لسجن المناوئين لهم من أبناء المهرة، والأشخاص الذين تستهدفهم تلك القوات، ويتم إيداعهم في ذلك السجن، ثم نقلهم عبر الطيران العسكري إلى الرياض، وهو ما كشف عنه تقرير مكتب حقوق الإنسان في المحافظة العام الماضي.

كما خصصت القوات السعودية داخل المطار سجنا للأشخاص الذين يشتبه في تورطهم بنقل بضائع منعت تلك القوات دخولها لليمن، كما سنتحدث في هذه المادة.

ولعل أبرز الأدلة على تخصيص القوات السعودية سجون للمناوئين لها داخل مطار الغيضة، هو التهديد الذي تعرض له الزميل عامر الدميني من قبل ضباط يمنيين في ميناء نشطون خلال تواجده داخل الميناء لإعداد تحقيق عن وضع الميناء في ظل سيطرة القوات السعودية عليه.

ذلك الضابط هدد الزميل الدميني والفريق الذي كان معه في الطريق إلى المطار، كعقاب لهم على دخولهم للميناء والتحدث مع الموظفين هناك، والتقاط مجموعة صور للميناء.

احتجاز للشحنات والبضائع

تحت قيادة القوات السعودية وإشرافها الكامل، تحول مطار الغيضة أيضا إلى مكان احتجاز للشحنات والبضائع التي لا تسمح تلك القوات بدخولها لليمن عبر ميناء ومنافذ المهرة، أو تلك التي يشتبه بوجود مواد ممنوعة داخلها عند تفتيشها في المنافذ والميناء، كالأسلحة أو المخدرات.

ومن الملفت هنا أن تلك البضائع والشحنات المشتبه بها يجري نقلها للمطار من قبل الجنود السعوديين لتفتيشها والتأكد من محتوياتها، بدلا من تفتيشها في المكان الذي وصلت إليه، لكن الملفت أكثر أن تلك الشحنات والبضائع التي يتم نقلها للمطار من قبل الجنود السعوديين بغرض تفتيشها، يتم احتجازها لفترات طويلة، وبعضها لم يتم إعادتها لملاكها، وأخرى تعرضت للمصادرة، ولا يستطيع ملاكها الوصول للمسؤولين السعوديين في المطار، بسبب صعوبة الاقتراب من المطار، ناهيك عن محاولة الدخول إليه.

يكشف موظف يعمل في أحد المنافذ اليمنية في حديثه لـ”الموقع بوست” عن واحدة من تلك الحالات، طالبا التحفظ على هويته الشخصية، وعلى هوية رجل الأعمال الذي تعرض لهذا الموقف، وقال متحدثا بأن أحد التجار الذين ينتمون لمحافظة حضرموت كانت لديه شاحنة تحمل 69 جهازا تسمى “ماجلان”، يستخدمها الصيادون عند الصيد في البحر لتحديد مواقعهم، وطرق العودة عند الوصول لعمق البحر، كما تحمل مجموعة من أجهزة اتصال الثريا التي يستخدمها الصياديون أيضا في حال وصلوا لمسافات بعيدة داخل البحر، وانقطعت عنها تغطية شبكة اتصالات الجوال المحلية.

وفقا لهذا الموظف فجميع تلك المواد تم شراؤها بشكل رسمي من دولة الإمارات، ويحمل مالكها فاتورة الشراء، وشهادة رسمية من غرفة التجارة والصناعة في الإمارات تثبت عملية الشراء، وتم القبض على الشاحنة في منفذ شحن بعد جمركتها بشكل رسمي قبل حوالي تسعة أشهر، ونقلها الجنود السعوديون من المنفذ إلى المطار، بعد اعتبارهم أن تلك الأجهزة ممنوعة من دخول اليمن.

لم يجد التاجر أي وسيلة لمراجعة القوات السعودية في المطار، ومناقشتهم بسبب عدم قدرته الدخول للمطار، وطرق كل الأبواب للتوسط لدى الجانب السعودي، وباءت كل جهوده بالفشل، حتى كتابة هذه المادة، مع العلم -وفقا لهذا الموظف- أن كلا النوعين من الأجهزة تباع في الأسواق المحلية سواء في المهرة أو المحافظات الساحلية، ومن السهل الحصول عليها، بل هي في متناول الجميع، كما يقول.

تتحدث مصادر ملاحية لـ”الموقع بوست” عن مصادرة القوات السعودية لشاحنات تخص تجارا يمنيين، كانت محملة بمواد منعت القوات السعودية دخولها لليمن، كشاشات التلفزيون بمختلف أنواعها، وألواح الطاقة الشمسية، وجرى نقل تلك المواد من منفذ شحن إلى المطار بعد جمركتها، وترفض تلك القوات الإفراج عنها وإعادتها، وللتفصيل أكثر في هذا الجانب يمكن العودة إلى التحقيق التحقيق الذي تحدث عن وضع الشحن في ميناء نشطون بالمهرة، على الرابط هنا.

وفي مطار الغيضة أيضا، يجري سجن واحتجاز مجموعة من السائقين الأجانب كالباكستانيين والسوريين، والذين يعملون على شاحنات الترانزيت أو العبور الدولي، ويتبعون شركات النقل التجارية التي تعمل عبر البر من دبي إلى سلطنة عمان ثم اليمن، ويتم القبض عليهم في منافذ المهرة البرية إلى المطار، بعد وصولهم بشاحناتهم التي تحمل تصاريح رسمية من بلد التصدير إلى اليمن.

وفقا لمصدر أمني يعمل في منفذ شحن البري الذي يربط بين اليمن وسلطنة عمان، فذنبهم الوحيد أنهم سائقون نقلوا موادا مرخصة وقانونية، لكنها غير قانونية بالنسبة للسعوديين الذين يتحكمون بالمنفذ اليمني، وأصدروا لائحة تقضي بمنع العديد من تلك المواد.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com