الرياض تُطمئن واشنطن: لا تقارب مع إسلاميّي اليمن
الجنوب اليوم | صحافة
لقمان عبد الله
حملت الجولة الأخيرة من الصراع السعودي – الإماراتي في اليمن، جملة من الدلالات الكاشفة، لعلّ أبرزها هشاشة القوى المحلية النافذة في الجنوب، وارتباطها الكامل بالقوى الخارجية، وتذبذب مواقفها في مواجهة الضغوط الإقليمية، فضلاً عن فقدانها الحافزية الفعلية للدفاع عن الشعارات التي ترفعها. وتجلّى ما تقدّم بوضوح في سقوط «المنطقة العسكرية الأولى»، التي كانت تضمّ عشرات الآلاف من المقاتلين، ويمتدّ نفوذها على مساحات تُقدَّر بعشرات الآلاف من الكيلومترات، في الساعات الأولى من بدء هجوم «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ثمّ انهيار قوات هذا الأخير بعد تعرّض مواقعه المستحدثة لبضع عشرات من الغارات السعودية. كذلك، ثبُت مجدّداً أن تلك النُخب إنما تبحث عن الامتيازات الشخصية، وتراكم الثروات والمكتسبات – في الوقت نفسه الذي تفشل فيه في تجاوز النزعة الفئوية والتعصّب المناطقي -، وهو ما يفسّر تبديلها ولاءاتها بسرعة البرق، وانتقالها من المطالبة بانفصال الجنوب إلى ترديد الدعاية السعودية حول كون القضية الجنوبية جزءاً من مشروع اليمن الواحد الذي ترعاه المملكة، في حين أن الإمارات، التي طالما رُفعت الصور العملاقة لرئيسها في شوارع عدن، تُصنّف اليوم على أنها عابثة بأمن المحافظات الجنوبية وتُحمَّل مسؤولية تعريض أمن السعودية للخطر.
ومن بين المفارقات اللافتة في هذا المشهد أيضاً، أن «الانتقالي» الذي سارع، عقب سيطرته على المحافظات الشرقية، إلى التعهّد بتوحيد الجبهات تمهيداً للتقدّم إلى صنعاء، لم تصمد قواته سوى ساعات قليلة تحت وطأة غارات كانت في معظمها استعراضية ولم تُصب أهدافها في الحقيقة، في حين صمدت حركة «أنصار الله» أمام أكثر من 274 ألف غارة على مدار ثماني سنوات. وبينما ثبُتت قيادة الحركة التي لم يغادر أحد من وجوهها البلاد – رغم شراسة الحربَين الأميركية والإسرائيلية -، فرّ رئيس «الانتقالي»، عيدروس الزبيدي، إلى الإمارات، من دون أن يخبر أحداً من مقرّبيه عن خطّته، وذلك بناءً على إشاعة عن تحليق طائرة مسيّرة فوق قصر المعاشيق في عدن. كما لوحظت سرعة التحوّلات في الاصطفافات العسكرية، مثلما ظهر في انتقال قوات «العمالقة» السلفية من مساندة «الانتقالي» في معركته، إلى الانضمام إلى قوات «درع الوطن» السلفية أيضاً، والموالية للسعودية، في حملة تهدف إلى القضاء النهائي على المجلس. وفي تعليقه على تلك التحولات، كتب أمين عام «المجلس السياسي الأعلى» الحاكم في صنعاء، سليم المغلس، في تدوينة له على منصّة «أكس»، أن «التاريخ السعودي يعيد نفسه بتجنيده للمتطرفين والتكفيريين، ولو بمسمّيات مختلفة (درع الوطن، العمالقة)، ودفعهم لمواجهة الاشتراكيين أمثال الزبيدي ورفاقه. وقد يقضون على ما تبقى من أحزاب ومظاهر مدنية في عدن. وإذا كان مشروع المجلس الانتقالي فكّ الارتباط بشكل معلن، فإن هؤلاء مشروعهم دولة الخلافة بعد التمكين».
التبدّل السريع للولاءات في الجنوب اليمني يكشف هشاشة القوى المحلية
والواقع أن استعانة المملكة بالقوى السلفية لحسم المعركة، مثّلت مصدر إحراج لها في واشنطن، واضطرّت وزير خارجيتها، فيصل بن فرحان، إلى زيارة الولايات المتحدة الأسبوع الماضي لتوضيح الموقف، في ظلّ تساؤلات أميركية حول وجود «تحوّل» في أولويات السعودية. وبحسب تقرير لموقع «جويش إنسايدر»، خرج عدد من المشرّعين الأميركيين بانطباع مفاده أن الحديث عن «انعطافة سعودية» نحو مهادنة تيارات الإسلام السياسي مبالغ فيه، وأن الوزير السعودي أكد، خلال لقائه أعضاء في الكونغرس، أن المملكة «ضدّ الإخوان»، وأن الخلافات مع الإمارات «تكتيكية وليست أيديولوجية»، وفق ما نقل الموقع عن النائب الديموقراطي، براد شيرمان. وقال شيرمان إن الوزير السعودي «ذهب بعيداً» في تفنيد تلك المخاوف، معتبراً أن ما سمعه يشير إلى أن الرياض لا تريد أن تُقرأ سياساتها في الساحات المتشابكة باعتبارها تقارباً مع الإسلاميين، خصوصاً منهم «الإخوان»، بقدر ما هي إدارة واقعية لملفات معقّدة.
على أن مجلّة «فورين بوليسي» الأميركية اعتبرت أن المواجهة الأخيرة لم تكن مجرّد اشتباك محلّي محصور، خصوصاً أنها ترافقت مع حروب دعاية شرسة، هاجم خلالها إماراتيون السعودية بسبب دعمها لجماعة «الإخوان»، واتهامها بالتنمّر على جار أصغر، في حين شنّ سعوديون هجوماً على الإمارات ووصموها بأنها معادية للإسلام ومؤيّدة لإسرائيل، وبأنها تدعم الانفصاليين بتهوّر في أنحاء المنطقة. وعلى أيّ حال، لا يبدو أن هذا الصراع سيقف عند حدود ما حصل أخيراً، بل سيبقى مرشّحاً لمزيد من التبدّل وإعادة التشكّل، فيما من غير المتوقّع أن تظلّ دول إقليمية معنيّة بالأزمة، مكتوفة الأيدي في انتظار ما ستقرّره السعودية منفردة، ومن دون مراعاة الأطراف الأخرى.